استنهاض حركة فتح في عالم متغير الحركات والتحولات الكبرى في حياة الشعوب

POSTED :
Omar Karem
AKRAM ALAYDI
الدكتور\اكرم العايدى مسئول العمل الجماهيرى \عضو الادارة والتنظيم -رام الله
حركة فتح تعني أيضا الشخصية الوطنية الفلسطينية فبالإضافة إلى الاعتبارات الاجتماعية السابقة ، أبرزت فتح الأهمية الكامنة في الكفاح المسلح كوسيلة لبلورة الشخصية الفلسطينية وتأكيد وجودها على المسرح العالمي كوسيلة لوقف محاولات الطمس والتغييب التي مورست على القضية كقضية شعب يريد الاستقلال لا قضية لاجئين ،وعليه فالعنف المتضمن في الكفاح المسلح يسعى (إلى إخراج عمل صارخ مذهل يصعق مخيلة الإسرائيليين الذين كنا نريد أن نبلغهم وندلل لهم على وجودنا كفلسطينيين يسعون إلى تدعيم إرادة الصراع بصورة مستقلة استقلالا ذاتيا عن الأنظمة العربية التي قذفنا في وجهها هذا التحدي، وأخيرا تدعيمها أمام الرأي العام العالمي الذي كان يجهل أو يتجاهل قدر ومصير شعبنا).

ظاهرها إن تعاملنا معها كفكرة لحركة تحرر وطني كان العالم الثالث آنذاك يشهد عديدا منها في أسيا وأفريقيا ،ولكنها في العمق فكرة تهدف إلى ما يشبه المستحيل، ليس فقط لطبيعة العدو الذي يحتل الوطن وقوة وتشعب علاقاته الخارجية ،بل أيضا لواقع العالم العربي المحيط بالفلسطينيين والذي لم يكن مرحِبا بهذا الوافد الوطني الجديد . حركة فتح بدأت فكرة لعدة أشخاص ثم فكرة وفكر لتنظيم ثم مشروع وطني متكامل ،أقرت غالبية الشعب لفتح بدور الريادية لهذا المشروع.

This slideshow requires JavaScript.

فتح الفكرة كانت تعني أيضا الكيانية السياسية حيث انتقدت الحركة روح اللامبالاة والإتكالية التي فرضت على جموع الفلسطينيين، وانتقدت الحكومات والحركات الحزبية العربية لاستغلالها القضية الفلسطينية لغير صالح الشعب الفلسطيني، وطالبت بإبراز الهوية الوطنية للشعب الفلسطيني، ونفت حركة فتح أن تكون المطالبة بإبراز الهوية الوطنية الفلسطينية، انسلاخا عن قضايا النضال القومي العربي، أو تعبيراً عن ردة فعل إقليمية، بل وضحت أن إحياء االشخصية الفلسطينية يعبر عن رفض المعالجة الخاطئة للقضية الفلسطينية، واستنكار حالة التغيب التي فرضت على الفلسطينيين وأوضحت أن طمس الشخصية الفلسطينية لا يشكل خطرا على شعب فلسطين فحسب، ولكنه يشكل إضرارا بالمسيرة النضالية القومية العربية، ذلك أن ذوبان الشعب الفلسطيني يعني: “ذوبان القضية الفلسطينية، وكانت في ذلك تطرح المبررات العملية لوضع القضية الفلسطينية في يد الشعب الفلسطيني، ولكنها في نفس الوقت تحذر الحكومات العربية من مغبة الوقوف في وجه الوطنية الفلسطينية الصاعدة، التي أرادت لها فتح، أن تمارس نشاطها الوطني انطلاقا من كيان فلسطيني دعت فتح لقيامه على أرض فلسطيني. ومن هنا طالبت بضرورة وجود كيان للشعب الفلسطيني يمارس من خلاله نضاله الوطني المشروع، وبضرورة وجود قيادة فلسطيني للشعب الفلسطيني، وأن يوضع حد لتحكم الأنظمة والأحزاب العربية بالشعب الفلسطيني وبالقضية الفلسطينية، فالشعب الفلسطيني “بحاجة إلى قيادة فلسطينية تنفعل مع القضية الفلسطينية انفعالا وطنيا فتقود طلائع شعبنا إلى تحرير وطنهم”.

هذه القيادة تمارس دورها في الكيان الفلسطيني الذي يجب أن يقام مرحلة أولى على الأرض الفلسطينية الخاضعة للإدارة العربية،والمقصود بذلك الضفة الغربية وقطاع غزة. “إن الكيان مطلب أساسي من مطالبنا نحن عرب فلسطين المشردين، وقد طال علينا الزمن، ونحن نعيش حياة الذل والهوان والتشرد. والكيان حق شرعي لنا. . إن هناك أقساما عربية من فلسطين وعلى هذه الأقسام ينبغي أن نشيد صرح حكم وطني فلسطيني ثوري قيادي”.

تبدأ بفكرة تسيطر على تفكير شخص أو عدة أشخاص متميزين بتفكيرهم وقدرتهم على قراءة الواقع و التفاعل مع مجريات الأحداث ، فكرة مستوحاة من وسط المعاناة وتشكل استجابة لتساؤلات واقع مأزوم غالبا،.إلا أن الفكرة وحدها لا تُحدث التغيير بل تحتاج لحاضنة والحاضنة هي المؤسسة أو الحزب المدعوم بقوة الجماهير والمتوج بقيادة أو نخبة تؤمن بالفكرة وتحضا برضا الجمهور.

قي بحثنا هذا سنقارب حركة فتح من حيث الفكرة أي الأفكار المحورية للحركة والتي على أساسها حضت بدور الريادة ونتطرق للبنية التنظيمية التي كانت تتواءم مع الفكرة من جانب وواقع الشتات من جانب أخر،وفي محور ثاني نتناول التحولات التي طرأت وأثرت على الحركة فكرا وتنظيما وأدت بالحركة إلى حالة مهدت لهزيمتها في الانتخابات التشريعية الأخيرة،ونبحث أخيرا في السبل التي يمكن بمقتضاها العودة بحركة فتح إلى دورها الريادي.

إشكالية البحث الأساسية التي نطرحها هي التعارض القائم ما بين حركة فتح كفكرة تجسد الهوية والكيانية السياسية والمشروع الوطني من جانب وما آل إليه التنظيم من حالة ضعف جعلته دون الفكرة بل ويشكك البعض في قدرته على قيادة المشروع الوطني .أما الفرضية ألتي سنحاول إثباتها فهي كما يلي: حيث أن فتح الفكرة ما زالت صحيحة وكل القوى السياسية التي حاولت مصادرة المشروع الوطني أو النطق باسمه وصلت لطريق مسدود فبالتالي يمكن من خلال النهوض بفتح التنظيم إعادة دور الريادة للح
المحور الأول :لماذا كانت حركة فتح؟

من حيث المبدأ فإن الحزب السياسي هو تنظيم وفكرة سياسية وقيادة وكل حزب يسعى للاستمرارية ما استمرت القضية التي يدافع عنها ، ولكن مصير الشعوب لا يرتبط بمصير الأحزاب والحركات السياسية ولا بمصير القادة بل يرتبط بالفكرة الوطنية التي يعبر عنها الحزب أو الحركة، الشعوب ترنو نحو مَن يجسد ويعبر عن مصالحها وطموحاتها أي نحو الفكرة الوطنية ومن يحملها بأمانة.ما دام الحزب السياسي مؤمنا بالفكرة التي تؤمن بها الجماهير فالناس ستمنح الحزب ثقتها، وستتوطد عرى الثقة والتفاعل إن وجدت قيادات في مستوى نبل الفكرة ،الجماهير لها حساسية تجاه الأفكار والأشخاص ،الجماهير قد تصمت وتصبر و قد تماري وتنافق لحين من الزمن، على أمل التغيير أو تحت قهر الحاجة والمصلحة، لكنها ستغير ولاءها إن شعرت أن الحزب لم يعد وفيا للفكرة الوطنية أو أصبح عاجزا عن مجرد إعطاء أمل بإمكانية تحققها.القول بالشرعية التاريخية أو الدينية لا يكفي لكسب ثقة وولاء الناس، والمال والدعم الخارجي لا يصنع قيادة شرعية ولا يطيل من عمر حزب نبذته الجماهير.

فتح كفكرة عظيمة احتاجت لرجال عظماء لتعلن عن انطلاقتها في فاتح يناير 1965،وحتى تستمر في ظل ظروف وتحديات تفاقمت مع مرور الوقت كانت أشد حاجة للحفاظ على عظمة الفكرة وعظمة رجالاتها ،فلا يمكن الحديث عن تنظيم يقود أمة تمر بظروف وتحديات كالتي يمر بها الشعب الفلسطيني ،دون فكرة عظيمة ورجال عظماء ،وعليه يجب التمييز ما بين الفكرة والتنظيم ،ويمكن القول بان فتح(التنظيم) اليوم هو دون مستوى فتح (الفكرة).

عندما نقول فتح الفكرة فإنما المنطلقات الفكرية التي ميزت حركة فتح عن غيرها من التنظيمات التي كانت سائدة وقت ظهور الحركة وأهمها:-

أولا :فكر الوسطية والاعتدال والانفتاح

من عايش أو تابع مسيرة حركة فتح وخصوصا في عقديها الأولين لمس أن فتح الفكرة لم تستقطب فقط أبناء الحركة المنتمين، بالمفهوم التنظيمي الحركي ،بل استقطبت غالبية أبناء فلسطين في الداخل والخارج واستقطبت الملايين من المؤيدين في أصقاع العالم من غير الفلسطينيين،حتى كان يجوز القول بان الفتحاويين من غير الفلسطينيين كانوا أكثر عددا من الفتحاويين الفلسطينيين ،ذلك لأن الحركة جسدت الوسطية والاعتدال والانفتاح على كل العقائد والتيارات الفكرية ،فاليساري والإسلامي والقومي والوطني ،الكل يجد ذاته داخل الحركة .فتح الفكرة كانت تعني الانتماء السياسي و الفكري والروحي والإنساني لقضية عادلة ولأشخاص نذروا أنفسهم للقضية ،الانتماء لفتح الفكرة كان يعني العطاء والبذل دون انتظار مقابل.لم يكن الانتماء لفتح الفكرة يعني أن المنتمين يؤمنون بقدرة الحركة عاجلا على تحرير فلسطين من البحر للنهر أو هزيمة المشروع الصهيوني ،فقادة الحركة الأوائل كانوا واضحين عندما قالوا بان مهام التحرير هي من اختصاص الأجيال القادمة ،وكان أبو عمار يردد دائما مقولة (سيأتي يوم ويرفع شبل من أشبال فلسطين أو زهرة من زهرات فلسطين علم فلسطين على أسوار القدس… )،بل كان الانتماء لفتح الفكرة يؤسس على الثقة بالقائمين على الحركة وبسلوكياتهم ونهجهم النضالي والحياتي وبعدالة القضية،صعوبة تحقيق الهدف الوطني وحتى استحالته لم يكن يُضعف من الانتماء للحركة بل كان يعمق من الانتماء ما دام وراء الحركة رجال عظماء إن لم يحققوا المستحيلات فيستحقون الوقوف لجانبهم والتضحية من اجل المستحيل المشروع(أو المشروع المستحيل)الذي نذروا أنفسهم له، الانتماء كان لفكرة تستحق التضحية حتى وإن كانت تضحية الصبر على المكاره.

ثانيا:كسر المعادلة ،من لاجئين إلى شعب صاحب قضية سياسية

ما بوأ الحركة دور قيادة المشروع الوطني أنها استطاعت تحويل الفلسطينيين من جموع للاجئين يقفون أمام وكالات الغوث ينتظرون العون والمساعدة إلى شعب ثائر مقاتل، تحولوا من أناس سلبيين لا يشاركون في صنع الحدث بل متفرجين على الأحداث إلى فاعلين للحدث ومؤثرين على تطور الأحداث ومبادرين طليعيين في الحركة النضالية العربية. مع حركة فتح و من خلال صراعها الحامي مع العدو تحولت المسألة الفلسطينية المهملة في أدراج الأمم المتحدة والمحافل الدولية، إلى القضية الأولى في المنطقة، إلى قضية شعب ثائر وحركة تحرر وطني، وأصبح الفلسطينيون يقولون نحن في الميادين، بعد أن كانت كلمة فلسطيني لعنة ونقمة على من يتلفظ بها.

كان تأثير الصراع والثورة النفسية والاجتماعية التي أطلقتها حركة فتح على الشعب الفلسطيني أكبر وأعظم وأكثر أهمية من تأثير العمل العسكري ، فهذا العمل بقى تأثيره محدودا على العدو المتفوق والقادر على تعويض وامتصاص أي ضربات توجهها إليه الثورة، دون أن يتخلخل بنيانه أو يُهَدد وجوده، أما تأثيرها على الشعب الفلسطيني وقضيته فأنها (قد أعادت الطمأنينة إلى النفوس المنكوبة وهدهدت حدة الآلام التي يرزح شعبنا تحت وطأتها فامتلأت نفوس شعبنا بالثقة بقدرته على تحرير وطنه من الغزاة الصهاينة).(2)

لأنها حركة تحرر ،كانت حركة فتح مدركة لأهمية العنف الثوري بالنسبة للشعوب الرازحة تحت نير الاستعمار، وكون العمل العنيف ـ الكفاح المسلح ـ يصبح حتمية تتطلبها وتفرضها الظروف التي تمر بها القضية الفلسطينية، فالكفاح المسلح ليس اختيارا ذاتيا بل هو ضرورة ملحة يفرضها الواقع، ذلك (أن الرصاصة في ظروف تاريخية معينة نعني ظروف التحرير هي التي تفعل وتقرر وتقوض الظلم وتبني الأوطان) (3).

لم يكن نهج فتح يعني أنها مجرد حركة عسكرية بل كان للفعل العسكري وظيفة اجتماعية كما اشرنا ، أيضا جمع شمل الفلسطينيين اجتماعيا وسياسيا والحيلولة دون ذوبانهم في مجتمعات أخرى، فالكفاح المسلح كفيل بوضع حد لحالة التشرذم التي يعيشها الفلسطينيون: (كان الكفاح المسلح وسيلة لجذب الفلسطينيين نحو الحركة الفلسطينية و إبعادهم عن المنظمات الأخرى، فلم تكن فتح قادرة على منافسة المنظمات الأخرى أيديولوجيا، وكانت دعوة الكفاح المسلح وحدها كفيلة بإبعادهم عن هذه الأحزاب وخصوصا أنهم ملوا الوعود الفارغة لهذه الأحزاب) .(4)

ثالثا:إبراز الشخصية الوطنية والكيانية السياسية

حركة فتح تعني أيضا الشخصية الوطنية الفلسطينية فبالإضافة إلى الاعتبارات الاجتماعية السابقة ، أبرزت فتح الأهمية الكامنة في الكفاح المسلح كوسيلة لبلورة الشخصية الفلسطينية وتأكيد وجودها على المسرح العالمي كوسيلة لوقف محاولات الطمس والتغييب التي مورست على القضية كقضية شعب يريد الاستقلال لا قضية لاجئين ،وعليه فالعنف المتضمن في الكفاح المسلح يسعى (إلى إخراج عمل صارخ مذهل يصعق مخيلة الإسرائيليين الذين كنا نريد أن نبلغهم وندلل لهم على وجودنا كفلسطينيين يسعون إلى تدعيم إرادة الصراع بصورة مستقلة استقلالا ذاتيا عن الأنظمة العربية التي قذفنا في وجهها هذا التحدي، وأخيرا تدعيمها أمام الرأي العام العالمي الذي كان يجهل أو يتجاهل قدر ومصير شعبنا).

فتح الفكرة كانت تعني أيضا الكيانية السياسية حيث انتقدت الحركة روح اللامبالاة والإتكالية التي فرضت على جموع الفلسطينيين، وانتقدت الحكومات والحركات الحزبية العربية لاستغلالها القضية الفلسطينية لغير صالح الشعب الفلسطيني، وطالبت بإبراز الهوية الوطنية للشعب الفلسطيني، ونفت حركة فتح أن تكون المطالبة بإبراز الهوية الوطنية الفلسطينية، انسلاخا عن قضايا النضال القومي العربي، أو تعبيراً عن ردة فعل إقليمية، بل وضحت أن إحياء االشخصية الفلسطينية يعبر عن رفض المعالجة الخاطئة للقضية الفلسطينية، واستنكار حالة التغيب التي فرضت على الفلسطينيين وأوضحت أن طمس الشخصية الفلسطينية لا يشكل خطرا على شعب فلسطين فحسب، ولكنه يشكل إضرارا بالمسيرة النضالية القومية العربية، ذلك أن ذوبان الشعب الفلسطيني يعني: “ذوبان القضية الفلسطينية، وكانت في ذلك تطرح المبررات العملية لوضع القضية الفلسطينية في يد الشعب الفلسطيني، ولكنها في نفس الوقت تحذر الحكومات العربية من مغبة الوقوف في وجه الوطنية الفلسطينية الصاعدة، التي أرادت لها فتح، أن تمارس نشاطها الوطني انطلاقا من كيان فلسطيني دعت فتح لقيامه على أرض فلسطيني. ومن هنا طالبت بضرورة وجود كيان للشعب الفلسطيني يمارس من خلاله نضاله الوطني المشروع، وبضرورة وجود قيادة فلسطيني للشعب الفلسطيني، وأن يوضع حد لتحكم الأنظمة والأحزاب العربية بالشعب الفلسطيني وبالقضية الفلسطينية، فالشعب الفلسطيني “بحاجة إلى قيادة فلسطينية تنفعل مع القضية الفلسطينية انفعالا وطنيا فتقود طلائع شعبنا إلى تحرير وطنهم”.

هذه القيادة تمارس دورها في الكيان الفلسطيني الذي يجب أن يقام مرحلة أولى على الأرض الفلسطينية الخاضعة للإدارة العربية،والمقصود بذلك الضفة الغربية وقطاع غزة. “إن الكيان مطلب أساسي من مطالبنا نحن عرب فلسطين المشردين، وقد طال علينا الزمن، ونحن نعيش حياة الذل والهوان والتشرد. والكيان حق شرعي لنا. . إن هناك أقساما عربية من فلسطين وعلى هذه الأقسام ينبغي أن نشيد صرح حكم وطني فلسطيني ثوري قيادي”.

كماارجعت حركة فتح مبررات التركيز على الشخصية والوطنية الفلسطينية إلى اعتبارات عملية لها علاقة بالواقع الدولي، وبتحديد المسؤولية، حيث أن الممارسة العربية الخاطئة للقضية الفلسطينية، عربياً ودولياً، أظهرت للعالم كأن الصراع الدائر في المنطقة هو صراع بين دولة إسرائيل الصغيرة المحاصرة وبين الدول العربية التي تحاصرها من كل جانب وتهدد بقذف اليهود إلى البحر! هذا التصور المغلوط لدى الرأي العام العالمي، خدم السياسة الصهيونية، وأوجد تأييداً عالمياً لإسرائيل. ومن هنا أرادت “فتح” أن تبين أن الصراع هو، في حقيقته، صراع بين الشعب الفلسطيني الصغير العدد، المشتت في المنافي، المطرود من أرضه، وبين إسرائيل المدعومة بالحركة الصهيونية وبالإمبريالية العالمية.

رابعا:استقلالية الهوية والقرار

انتقدت حركة فتح روح اللامبالاة والإتكالية التي فرضت على جموع الفلسطينيين، كما أخذت على الحكومات والحركات الحزبية العربية استغلالها القضية الفلسطينية لغير صالح الشعب الفلسطيني، وعليه طالبت بإبراز الهوية الوطنية للشعب الفلسطيني. وحيث أن المرحلة العربية كانت مرحلة المد القومي فقد نفت الحركة أن تكون المطالبة بإبراز الهوية الوطنية الفلسطينية، انسلاخا عن قضايا النضال القومي العربي، أو تعبيراً عن ردة فعل إقليمية، وأوضحت فتح أن إحياء الهوية الوطنية الفلسطينية يعبر عن رفض المعالجة الخاطئة للقضية الفلسطينية، واستنكار حالة التغيب التي فرضت على الفلسطينيين وأوضحت أن طمس الهوية الفلسطينية لا يشكل خطرا على شعب فلسطين فحسب، ولكنه يشكل أضرارا بالمسيرة النضالية القومية العربية، ذلك أن ذوبان الشعب الفلسطيني يعني: “ذوبان القضية الفلسطينية، إذ أن قضية وطن لا شعب لا يعني شيئا مطلقا في النطاق الدولي على الأقل ينبغي أن تعلم الحكومات العربية جميعا أن شعب فلسطين هو الممثل الشرعي للقضية الفلسطينية لأنه وحده الذي يمثل المأساة ويواجهها، وإلا فمن هم الذين يشردون من بلادهم ؟… إنه لا يحق لأية دولة عربية بأن تقول بأنها تمثل عرب فلسطين، فعرب فلسطين لا يمثلهم إلا أبناء فلسطين، إن شعب فلسطين سيفرض نفسه ليتحمل قضية وطنه وليشارك إخوانه أبناء العروبة في النضال من أجل تحرير الوطن السليب، فشعب أصدق من يعمل لقضية فلسطين، فلا الوطنية تنقصنا ولا الثقافة والاختصاصات بعيدة عنا، فنحن نحمل مشعل الثقافة والوطنية في أية منطقة عربية نحل بها”

شمولية الفكرة ومعيقات التنظيم

فكر الحركة المشار إليه اعلاه والمتسم بشمولية الفكرة كان يواجه بواقع مجتمعي يتسم بالشتات ويخضع لأنظمة إما معادية لقضيته الوطنية أو متحفظة ومترددة في دعم القضية ،فكان لزاما أن يكون التنظيم على درجة من المرونة تسمح له بالانتشار والتكيف مع بيئات مختلفة،وهي مرونة اكراهية وليست ارادوية ،وكثيرا ما كانت تؤدي لحالة من التسيب التنظيمي ،وعليه فإن الناظم للحركة لم يكن التنظيم بمفهومه الدقيق بل الفكرة والقيادات الكارزماتية للمؤسسين الأوائل.فكرة التنظيم الحزبي الصارم كانت متواجدة نسبيا في بدايات ظهور الحركة نظرا للطابع السري الذي حكم عمل الحركة آنذاك وقلة عدد المنتمين ،إلا انه مع علنية الحركة في 1965 ثم هزيمة 1967 ومعركة الكرامة مارس 1968 ،تدفقت جموع للانتماء للحركة الأمر الذي أربك القائمين على التعبئة والتنظيم ،ليس فقط لان هذا الإقبال كان متعدد الجنسيات ومتعدد اماكن الإقامة بل أيضا لأن البعد العسكري من عمل الحركة كان طاغيا على البعد السياسي التنظيمي ،وانشغلت حركة فتح بالتعبئة العسكرية أكثر من اهتمامها بالبناء التنظيمي الحزبي ،ومع ذلك كانت محاولات للتنظيم في اكثر من اقليم خارج الوطن ولكنها لم تكن دائما موفقة لان غالبية المنتمين كانوا من الطلاب والمعلمين او من رجال الأعمال وهؤلاء لا يستمروا طويلا في البلد الذي يقيمون به ،وفي الأقاليم التي تعرف تواجدا كبيرا للفلسطينيين كالأردن وسوريا ولبنان ومصر والخليج ،لم تكن الظروف السياسية وخصوصا توتر العلاقة بين النظام القائم وقيادة فتح تسمح بحرية العمل الحزبي والتنظيمي دائما، وفوق كل ذلك تم إغراق التنظيم بالرسمية والوظيفية والتخمة المالية وتداخل عمل السفراء مع العمل التنظيمي.

بالرغم من محاولات عدة جرت لإستغلال هذه المرونة التنظيمية وخصوصيات الجغرافيا لخلق انشقاقات داخل الحركة ووصل الامر لدرجة الاقتتال الدامي في بعض الحالات ،إلا أن الحركة حافطت على وحدة بنيتها الأساسية ولم يكتب للمنشقين النجاح .

إلى ما قبل توقيع اتفاقية أوسلو وتسلم حركة فتح لسلطة الحكم الذاتي لم تكن الانشقاقات مهددة لوحدة وتماسك الحركة لعدة اعتبارات أهمها:

1- طبيعة برنامج الحركة المرن والذي يسمح بتعدد الرؤى والمواقف بحيث كان يمكن لأي منتسب للحركة كفرد أو جماعة أن يمثل تيارا فكريا دون أن يتعارض ذلك مع برنامج وسياسة الحركة.

2- تمسك الحركة بالثوابت الوطنية ،فكل التنازلات كانت من المنظمة وباسمها وليس من تنظيم حركة فتح الذي كان يوظف مرونة المنظمة وتنازلاتها دون أن يصدر عنه قرارات تعترف بهذه التنازلات .

3- هيمنة قيادة فتح على المنظمة وضع بيدها سلطات وصلاحيات تجعلها الطرف القوي في مواجهة أي منافس أو متمرد عليها.

4- دعم كثير من الدول العربية والأجنبية لنهج حركة فتح المعتدل في مقابل حركات انشقاقية ذات توجهات قد تكون محرجة للأنظمة العربية ودعمها يحملهم تبعات سياسية هم في غنى عنها.

5- غالبية الشعب الفلسطيني بما في ذلك فصائل منظمة التحرير، كانت مع وحدة الحركة ولو شكليا تخوفا من تبعات انهيارها على مجمل المشروع الوطني وعلى منظمة التحرير.

6- وجود أبو عمار على رأس الحركة كمؤسس للحركة وبشخصيته الكارزماتية ذات القدرة الكبيرة على المناورة والمساومة ،ساهم في وحدة الحركة تحت عباءته .

7- المركزية المالية للحركة حيث كان الراحل أبو عمار يحتكر كل مفاتيح الوضع المالي للحركة سواء كرئيس لها أو رئيس لمنظمة التحرير،مما مكنه من شراء ولاء كل من يفكر بالتمرد أو قطع الدعم المالي عمن يتمرد بالفعل.

8- ساد في حركة فتح نهج عدم الحسم بأية قضية خلافية ومحاولة خلق توازن أو توافق موهوم ومصطنع بين قوى متعارضة ومتصارعة ، إما بإسكاتها بالمال أو بالمناصب أو بالتهميش أو بالبوس على اللحى .

9- غياب الحسم والمحاسبة والمتابعة وممارسة سياسة الحشد وتكثير العدد دون فكر موحد أو روابط تنظيمية واضحة.

المحور الثاني: فتح/ السلطة ومحاولة مصادرة فتح التنظيم والفكرة

مع دخول منظمة التحرير وبالتالي حركة فتح نهج التسوية انتاب فكر الحركة وتنظيمها غموض وإرباك، وتفاقم الأمر مع غياب القيادات التاريخية تدريجيا،وبدا الانفصال بين فتح الفكرة وفتح التنظيم يتزايد كلما تورطت فتح أكثر بالسلطة ، سلطة أنتجتها تسوية كان من أهم أهداف طرفها الأمريكي /الإسرائيلي، القضاء على فتح الفكرة وتغيير بنية وطبيعة عمل فتح التنظيم ،وبالفعل بهتت صورة فتح الفكرة وتصدعت وتشوهت بنية فتح التنظيم وخصوصا عندما جرت محاولات لتغييب مفهوم الوطن والوطنية ليصبحا مجرد مشروع اقتصادي امني بقيادة مصنوعة ومفروضة ،أيضا إثارة قضية الداخل والخارج والجيل الجديد أو الشاب والجيل القديم داخل حركة فتح.

لقد جرت محاولات لتمرير مفاهيم مغلوطة بهدف تغيير طبيعة الحركة وبنيتها التنظيمية ووظيفتها ،كالقول بان فتح تخلت عن الأهداف الوطنية لأنها قبلت بمبدأ التسوية وبالشرعية الدولية ،مع انه وبالرجوع للمنطلقات الأولى للحركة وكما أوضحنا أعلاه ،كانت الحركة ترمي منذ البداية لإقامة دولة في الضفة وغزة وكانت تدرك تماما صعوبة إنجاز هدف التحرير الكامل،وبالتالي فإن نهج التسوية ليس هو الخطأ بل الخلل فيمن قادوا المفاوضات ووظفوا التسوية والسلطة لإغراض خاصة .ومن جهة أخرى جرت محاولات التشويه والتدمير للحركة بترويج مقولة الداخل والخارج والجيل القديم والجيل الشاب والهدف من ذلك تقزيم الحركة وقطع صلتها بقيادات الخارج وبالتالي بالشعب الفلسطيني بالخارج ،فالأمر وإن كان يبدو صراعا على السلطة والقيادة بين الجيلين إلا انه في عمقه كان محاولة لتغيير فكر وإستراتيجية حركة فتح وبالتالي المشروع الوطني برمته.

مع تولي حركة فتح للسلطة أصبح هناك فتح /السلطة بالإضافة لفتح التنظيم وفتح الفكرة ،فتح السلطة أثرت سلبا على التنظيم والفكرة،وقد تمكنت إسرائيل من دعم وتقوية بعض العناصر والقيادات داخل فتح السلطة الذين عملوا على إضعاف التنظيم والفكرة لصالح السلطة و أصبحت فتح بالنسبة لكثير من المنتمين الجدد تعني الوظيفة والمصلحة،وجرت محاولات لاستغلال وتوظيف التاريخ النضالي للحركة لشرعنة قيادات جديدة ونخب سياسية جديدة منسلخة عن فتح الفكرة .وللمفارقة وما يثير التساؤل ،أن بعض من تولى السلطة من قيادات الحركة وهم الملتزمون بالتسوية ونهج السلام، لجئوا لخلق ميليشيات عسكرية بل والسماح لها بالقيام بعمليات عسكرية ضد الإسرائيليين،وإن كان الهدف الظاهر من وراء خلق هذه الميليشيات هو سحب البساط من تحت أقدام حركة حماس أكثر مما هو ارتداد نحو إستراتيجية الكفاح المسلح ،إلا أن هذه الميليشيات أصبحت عبئا على التنظيم ،حيث استغلتها بعض القيادات لمواجهة قيادات أخرى أو لفرض هيمنها على الحركة،وعبئا على القضية الوطنية عندما أصبحت أهم عناصر الانفلات الأمني .

حالة الالتباس الناتجة عن تولي حركة حماس السلطة وما نتج عن هذه الحالة من خلافات داخل حركة فتح ،أفسح المجال ليأخذ الحديث عن إمكانية انشقاق هذا التيار أو ذاك مصداقيته، إلا أنه كان يُرد دائما على من يتحدث عن الموضوع علنا إما باتهامه بمحاولة إثارة الفتنة في الصف الفتحاوي أو بالتهوين من الأمر، وبالتالي القفز على الموضوع ، مع أن كل صغير وكبير متابع للوضع الداخلي لحركة فتح يلمس ضرورة إحداث تغيير في بنية فتح وآليات تعاملها مع الأحداث ، و يتحسس مؤشرات صراع على الزعامة ، أحيانا يكون الصراع مشروعا ومبررا يأخذ شكل التنافس على العمل النضالي ضد العدو وخدمة الجماهير لاستقطاب المؤيدين والأتباع ، ولكن في كثير من الحالات يكون الصراع غير نظيف وغير أخلاقي بالمفهوم السياسي الحضاري وبالمفهوم السلوكي ، صراع لا يشارك فيه الشعب ، ولكنه صراع بين قيادات تقليدية مأزومة وزعامات شابة متمردة وبعضها ممن أفرزهم اتفاق أوسلو أو توازنات خارجية .

يمكن القول بأنه ما بعد صيرورة حركة فتح حزبا حاكما مرت الخلافات والصراع على السلطة داخل الحركة بأربعة مراحل تتداخل مع بعضها البعض أحيانا وهذه المراحل هي:

المرحلة الأولى: الصراع على منافع السلطة

وتمتد من بداية تولى السلطة عام 1994 إلى حين اندلاع الانتفاضة ومحاصرة الرئيس أبو عمار ،فخلال هذه المرحلة ظهرت بوادر الصراع ما بين مَن يُطلق عليهم أسم الحرس القديم (اللجنة المركزية ومن يدور في فلكها وعلى رأسها الرئيس أبو عمار) ومن جانب آخر من ينعتون بالحرس الجديد وهذا الانقسام كان يعكس أيضا تباينا في المواقف والنظر للأمور ما بين الخارج والداخل ،فالحرس القديم هم الذين أتوا من الخارج أو جماعة تونس ،والحرس الجديد هم شباب الداخل وخريجو السجون،إلا أن هذه التباينات أو بدايات الانشقاق المستتر لم تكن قد تبلورت على أسس أيديولوجية أو سياسية وطنية فكلا الطرفين مع التسوية والحل السلمي ومع خارطة الطريق،بل كان صراعا مستترا على المراكز والمناصب والصلاحيات ،أنه صراع على السلطة ومن اجل السلطة ، كان صراعا بين جماعات عرفاتية ، دون تجاهل دور التأثيرات الخارجية في الموضوع وخصوصا الدور الأمريكي والإسرائيلي .

وفي هذه المرحلة أقتصر الصراع على الداخل حيث كان حضور وفاعلية قيادات الخارج وخصوصا (جماعة أبو اللطف) ضعيفا وكان أكثر ما تطمح إليه تلك الجامعة استمرار الدعم المالي لعناصر وقيادات الحركة في الخارج و الحفاظ على وجود المنظمة كخط رجعة في حالة فشل مشروع التسوية ،وهو الخلاف الذي تجلى فيمن يتولى الشؤون الخارجية ،هل هي وزارة خارجية السلطة أم الدائرة السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية .

المرحلة الثانية: الصراع على وظيفة السلطة

يمكن التأريخ لهذه المرحلة بالقرار غير المعلن لأبي عمار بالعودة لنهج المقاومة المسلحة بعدما تأكد بأن إسرائيل غير جادة بالتسوية وكان مقتل رئيس وزراء إسرائيل اسحق رابين أول مؤشر على نكوص إسرائيل عن نهج التسوية وتأكد هذا التوجه الإسرائيلي بعد عملية السور الواقي 2002 . هذا التوجه عند ياسر عرفات وأغلبية من اللجنة المركزية لم يجد استحسانا من تيار فتحاوي أرتبط بالتسوية وظيفيا وماليا وفكريا ،وهو تيار وإن وجد دعما وتشجيعا أمريكيا وإسرائيليا إلا أنه كان ينطلق من رؤية سياسية تجد قبولا عند قطاع من الشعب ممن ارتبطوا وظيفيا برموز هذا التيار و من فئة من المثقفين ورجال الأعمال والمال، ومفاد هذه الرؤية أن الفلسطينيين جربوا الخيار العسكري في ظل ظروف محلية وإقليمية ودولية مواتية أكثر من الظروف الراهنة ولم يحققوا أهدافهم الوطنية وبالتالي يجب عدم زج الشعب مجددا بدوامة العمل العسكري .وقد أخذ هذا التيار بالاتصال من وراء ظهر ياسر عرفات بأطراف إقليمية ودولية لاستجلاب الدعم السياسي والمالي ونجحوا بذلك بدرجة كبيرة بحيث بات هذا التيار متحررا ماليا من الهيمنة المالية لأبي عمار وقادرا على مواجهة التيار العرفاتي التقليدي علنا بل وصل الأمر للتراشق بالتهم عبر الفضائيات مما أثار استياء الجمهور.

نتيجة هذا الوضع حدثت حالة استقطاب وصلت ذروتها مع الضغوط التي مورست على أبو عمار لتعديل القانون الأساسي بما يسمح بوجود منصب رئيس وزراء وإسناد هذا المنصب لأبي مازن تحديدا الذي أصبح قائدا للتيار المعارض للنهج العرفاتي ونقطة استقطاب للحرس الجديد مع أن أبو مازن ينتمي عمريا للحرس القديم .بعد تولي أبو مازن لمهامه كرئيس وزراء تعرض لانتقادات شديدة من اللجنة المركزية لحركة فتح كان أهمها في اجتماع للجنة المركزية مطلع يوليو 2003م حيث أنصبت الانتقادات على أسلوب تعاطيه السياسي و الأمني مع ملف المفاوضات وكيفية تعامله مع حكومة شارون التي تستبيح ألأرض وتحاصر الرئيس أبو عمار ،واتهمه البعض بأنه يتصرّف كسياسي يفتقر للدراية السياسية، بل إن عرفات وصفه بعد قمة العقبة بتاريخ 3-6-2003 بأنه (خان قضية و مصالح شعبه) ، وردا على ذلك قدّم أبو مازن استقالته من اللجنة المركزية لفتح ، مبررا ذلك بافتقاده لدعم حزب السلطة (فتح) لتنفيذ برنامجه السياسي المعتمد من المجلس التشريعي ، وتوترت العلاقة بين الطرفين ولم تنجح وساطة فلسطينية بالتقريب بين المواقف ،ولكن عمر سليمان مدير المخابرات المصرية تمكن من ذلك ولكن إلى حين.

إن كانت هذه الخلافات التي ظهرت للعلن وقسمت القاعدة الفتحاوية بشكل ملحوظ، لم تؤد لإحداث عملية انشقاق تنظيمي إلا أنها عززت من انعدام الثقة من جهة العرفاتيين النافذين المدعومين من جمهور فلسطيني ومن قوى المعارضة الإسلامية المتعاطفة معهم والمتخوفة من نهج الحرس الجديد ومن التوجهات السياسية لحكومة أبو مازن ،و من جهة أخرى أبو مازن وبعض وزرائه وخصوصا محمد دحلان المدعومين من الولايات المتحدة ودول أوروبية وقطاع من النخبة السياسية الفلسطينية. وحتى لا تؤدي هذه الأزمة لانهيار حركة فتح فقد تم التوصل لحل يسمح لأبي مازن بممارسة مهامه مع الالتزام بشروط وضعتها اللجنة المركزية للحركة .

المرحلة الثالثة :ما بعد أبو عمار وما قبل الهزيمة

بعد رحيل أبو عمار توافقت التيارات الفتحاوية على ترشيح أبو مازن للرئاسة ،إلا أن هذا التوافق كان ظرفي وبراغماتي حيث طفت الخلافات داخل الحركةعلى السطح مجددا ووصلت لذروتها في الانتخابات التمهيدية داخل الحركة تمهيدا للانتخابات التشريعية العامة في يناير ،2006 ،حيث تقدمت فتح بقائمتين انتخابيتين واحدة تمثل القيادة التقليدية وخصوصا اللجنة المركزية والأخرى تمثل من يسمون بالحرس الجديد ويتزعمها فعليا محمد دحلان عضو مجلس ثوري ،وفي واقع الأمر فقد جرت محاولة لتوظيف الانتخابات لإحداث انقلاب داخل فتح فيما لو نجحت قائمة الحرس الجديد . وصول الأمر لهذا الحد من الخطورة على وحدة الحركة يعود لفشل الحركة في التقريب بين المواقف خلال السنوات الماضية ،وإن كان وجود محمود عباس رئيسا للسلطة ولمنظمة التحرير قد بدا وكأنه يدعم مواقف التيار المعارض للجنة المركزية ومكنه من القدرة على قيادة الحركة لصالحه ولو بالتلويح بالحسم العسكري حيث لاحت نذر تمرد عسكري أو انقلابا مسلحا ،إلا أن سعي أبو مازن للعب دور الحاكم والحكم في حركة فتح ومد ظله على الجميع ،ووجود حماس كطرف منافس وقوى وخصوصا بعد نجاحها الملحوظ في الانتخابات المحلية ثم التشريعية حال دون حدوث الانشقاق أو الانقلاب وقد لعبت أطراف محلية وخصوصا مصرا دورا في لملمة الحالة الفتحاوية تمهيدا لمخطط إقليمي ودولي كان يُمهد له لتغيير مكونات النظام السياسي الفلسطيني بإدماج حماس في السلطة.

كان أخطر ما ميز هذه المرحلة من التصدع داخل فتح هو لجوء القيادات الفتحاوية للاستقطاب العسكري بدلا من الاستقطاب السياسي ،حيث انتشرت الجماعات المسلحة بتسميات متعددة وإن كانت كتائب شهداء الأقصى هي أكبر هذه الجماعات ويمكن اعتبارها بديلا عن قوات العاصفة التي كانت الذراع العسكري لفتح قبل التسوية ولكن ضمن حدود جغرافية ورؤية سياسية لا تتعدى سقف تفاهمات التسوية والرؤية السياسية للسلطة،إلا أن حالات عسكرية كثيرة أثارت كثيرا من التساؤلات حول مصادر تمويلها ومرجعيتها وأهدافها السياسية و العسكرية. حيث تم توظيف هذه الجماعات لاحقا من طرف الأقطاب السياسية المتصارعة في فتح بعد أن ضعفت المبررات السياسية والأيديولوجية للاستقطاب ،وحيث أن أقطاب فتح كانت بحاجة لهذه الجماعات ليس بطبيعة الحال لمحاربة إسرائيل وربح رهان الحسم العسكري معها بل لتوظيفها في فرض نفوذها داخل مناطق السلطة كل قطب في مواجهة منافسيه وجميعهم في مواجهة تنامي نفوذ حركة حماس ،فقد أصبحت هذه الحالات العسكرية أهم ورقة يمكن توظيفها لمن يريد الحسم داخل حركة فتح بالإضافة إلى التسابق على كسب ولاء عناصر الأجهزة الأمنية والاتحادات الشعبية كالشبيبة الفتحاوية واتحاد المرأة واتحاد العمال وكانت غالبية هؤلاء يمنحون ولاءهم لمن يدفع أكثر .

المرحلة الرابعة: ما بعد الهزيمة والاستنهاض المعاق

من حيث لم تحتسب حركة فتح ،كانت هزيمة فتح في الانتخابات التشريعية ثم تشكيل حركة حماس للحكومة وما تبع ذلك من حصار وتأزم للنظام السياسية ،عوامل مساعدة لإعادة التفكير الجاد باستنهاض الحركة ،فقد عرفت الحركة مخاضا وجدلا حامي الوطيس أخذ طابع النقد والنقد الذاتي ،وبالرغم من خروج الجدل أحيانا عن قواعد الحوار البناء ،إلا أنه أوصل قناعة لدى الجميع بان الكل يتحمل مسؤولية ما جرى من منطلق ان الأضرار مست الجميع .وعليه لمسنا حراكا لإعادة الاعتبار لحركة فتح إلا أن مدخلات عملية الاستنهاض في هذه المرحلة وهو الإحساس بالخطر المشترك لم ينتج عنها مخرجات في المستوى المطلوب حيث كان المال واستعراض القوة المسلحة الوجه الغالب لعملية الاستنهاض. بعض التيارات لجأت للقاعدة الفتحاوية وذلك بإجراء انتخابات للمناطق والأقاليم تمهيدا للمؤتمر العام ،وفي نفس الوقت قام الرئيس أبو مازن بتشكيل قيادة الوطن وقيادات الساحة من عناصر ينتمي غالبيتهم لتيار محدد وهو الذي يقوده محمد دحلان وذلك عن طريق التعيين ،الأمر الذي استفز التيار الأول بما فيه اللجنة المركزية التي اتهمت الرئيس أبو مازن باللجوء للتعين دون الرجوع للهيئات القيادية العليا ،ومع أن تعيين أبو مازن لعضو اللجنة المركزية أبو علاء مسئولا عن التعبئة والتنظيم كان محاولة لرأب الصدع ،إلا أن الحذر والشك بقي سيد الموقف بين الطرفين وخصوصا في قطاع غزة حيث كانت حالة من الاستقطاب واستعراض القوة بين تيار محمد دحلان وتيار أبو ماهر حلس ومن معه من قيادات في اللجنة المركزية.

المحور الثالث:أسباب الارتكاس ومحفزات الاستنهاض

أولا:لماذا تراجعت حركة فتح؟

ولان لكل هزيمة أو نكسة مسببات ،فمنطق الأمور يحتم البحث عن ألأسباب الحقيقية لتراجع حركة فتح شعبيا مما مهد لهزيمتها بقانون الشعب أو الانتخابات قبل البحث في مبررات وسبل استنهاض الحركة.وفي هذا السياق يمكن القول بأن عوامل داخلية وأخرى خارجية تضافرت لصيرورة الحركة إلى ما هي عليه ، ويمكن ان نجملها بما يلي:

1 –إغراق الحركة بالعمل السلطوي وتحميلها كل أوزار وأخطاء السلطة، وقد انجرت الحركة وراء منافع السلطة ولم تفصل بين الانتماء الوظيفي للسلطة والانتماء التنظيمي الحركة.

2 –إرتكاس الحركة نحو العمل العسكري بصيغته الجهادية- العمليات الاستشهادية- بطريقة فجة وغير مدروسة ،في محاولة منها لمنافسة حماس والجهاد ،ونسيت الحركة كل الدروس المستفادة من تجاربها خلال ثلاثين عاما .

3- إفساد النخبة السياسية التقليدية للحركة- اللجنة المركزية ومن يدور في فلكها- بالمواقع والامتيازات ،مما افقدها التأهيل للمحاسبة والمتابعة ،حيث لم تعد قدوة يحتذي بها.

4 –قلة رجال الفكر والمنظرين القادرين على تجديد فكر الحركة بما يتناسب مع طبيعة المرحلة والانهيارات الكبرى التي يشهدها العالم . ومَن تبقى من مفكري الحركة استمروا في اجترار خطاب الماضي بصيغة ممجوجة وفاقدة المصداقية.

5- الحالات العسكرية لعبت دورا سلبيا ،حيث كان وجودها على حساب التنظيم بما هو تنظيم وفكر ووحدة القرار ،بل يمكن القول بأن تشكيل هذه الحالات كان جزءا من المؤامرة على فتح التنظيم –حالات الانفلات الأمني تعود غالبيتها لهذه الجماعات-.

6 –مصادرة الحركة كتاريخ وإمكانيات من قِبل ثلة من المغامرين والمتطلعين للسلطة تحت شعار صراع الأجيال أو ضرورة التجديد-وليس جميع هؤلاء بالضرورة خارج الصف الوطني الفتحاوي بل عجز القيادة التقليدية عن القيام بمهامها دفعهم للقيام بهذا الدور المغامر والانقلابي.

7-نقص الوعي الفكري والتنظيمي عند غالبية القاعدة الفتحاوية أدى لتفشي روح اليأس والإحباط لديهم وبالتالي غياب الدافعية لتجديد الحركة أو الدفاع عنها.

8- تجاهل فلسطينيي الخارج ،وكان من الممكن أن يلعب هؤلاء دور الحاضنة للتنظيم وحملة مشروع التجديد والتطوير بعيدا عن صراعات وحسابات الداخل الناتجة عن واقع وجود السلطة والاحتلال.

9- عدم اتفاق القيادة الفتحاوية على طبيعة المرحلة والموقف من التسوية والمفاوضات ،وصراعها على المواقع والصفة التمثيلية .

10 –غياب الرئيس أبو عمار كشخصية كارزماتية عن مجتمع ما زال يؤمن بشخصانية السلطة أو دُفع لذلك ،ترك فراغا في القيادة الفتحاوية.

11-غياب التأطير الفكري والأيديولوجي الموحد لأبناء التنظيم ساعد على خلق ولاءات ارتدادية كالولاء للعائلة أو المنطقة ،والتمييز بين الداخل والخارج .

12- قبل أن تفرض إسرائيل والولايات المتحدة مشروعهم التسووي خلقوا رجال التسوية حاملي هذا المشروع ،ومن المهام المسندة لهؤلاء إضعاف تنظيم فتح أو تفريغه من محتواه الوطني والنضالي بتغيير وظيفته .

ثانيا :مبررات وممكنات الاستنهاض

إن كانت الانتخابات التشريعية أبعدت حركة فتح عن التفرد بالسلطة (حكومة ومجلس تشريعي) ،وبالرغم من حالة الإحباط التي انتابت أبناء الحركة إلا أن عاما من حكم حركة حماس خدم حركة فتح الفكرة والتنظيم من حيث لا تحتسب .فالهزيمة اعتبرت إهانة شخصية لكل فتحاوي أصيل ،وحالة النقد والنقد الذاتي التي سادت صفوف الحركة لعبت دورا في اكتشاف كل طرف لأخطائه ،وفقدان حركة فتح للسلطة اشعر الجميع بفداحة الجريمة التي ارتكبوها بحق أنفسهم وبحق التنظيم.أدى الحصار ومأزق الحكومة الحمساوية ثم الاقتتال الداخلي وتشكيل حكومة وحدة وطنية وما صاحبها من أرباك وغموض في النهج السياسي لحركة حماس ، إلى تراجع نسبي في شعبية حركة حماس لصالح رد الاعتبار لحركة فتح ليس كتنظيم بل كفكر ورؤية سياسية ثبت صوابها .

لقد بات واضحا بان حركة التحرر الوطني الفلسطيني (فتح) هي رقم صعب لانها ضرورة وطنية لحماية وقيادة المشروع الوطني ،حيث تأكد صحة فكرها ونهجها الاستراتيجي .إلا أن الحركة تحتاج لإعادة بناء التنظيم وإعادة صياغة الفكرة وصقلها ،وبمكن اختصار مبررات وجود فتح وشروط استمراريتها بما يلي:-

1- طول عمر الحركة ليس مبررا للقول بانتهاء دورها أو شيخوختها ،فالأحزاب الديمقراطية في الغرب وحزبي العمال والمحافظين في بريطانيا والحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي في أمريكا عمرهم أضعاف عمر حركة فتح .

2- تغير الظروف والأحوال ليس مبررا أيضا للقول بنهاية حركة فتح، فبعض الأحزاب والقيادات أقدم عهدا من حركة فتح أو مزامنة لها كالجبهة الشعبية، وحركة حماس موجودة قبل أن يشهد العالم التحولات الأخيرة.وخارج الوطن ما زالت جبهة التحرير الجزائرية على رأس العمل السياسي، والحزب الشيوعي الصيني استوعب المتغيرات الدولية وكيَف نفسه معها دون أن ينهار.

3- ما زالت حركة فتح تمثل الوسطية والاعتدال ولذا فهي تحضا بأكبر نسبة من التأييد في الشارع ، في مقابل أيديولوجيات مأزومة للأحزاب الأخرى ،وكل ما تحتاجه الحركة هو تجديد فكرها ومنطلقاتها وتنقيته مما علق به من اوهام ومبالغات ،وتجديد النخبة السياسية.

4- يجب الاعتراف بنهاية المرحلة التي كانت فيها فتح تتماهى مع منظمة التحرير أو تستوعب منظمة التحرير وتطرح نفسها كممثلة للشعب الفلسطيني ،فاليوم توجد قوى حزبية جديدة وبالتالي تحتاج حركة فتح لتجديد فكرها ومناهج عملها بما يميزها عن بقية القوى السياسية وبما يحفظ لها تجسيد الوسطية والاعتدال .

6- ضرورة إدخال تغييرات على القيادات الاتحادات الشعبية كالشبيبة الفتحاوية والمرأة والعمال وغيرهم ،فهؤلاء شكلوا ولاءات مستقلة غير ملتزمة وكانوا جزءا من الانفلاش التنظيمي إن لم يكن سببا له.

7- تثبيت العضوية والفصل ما بين الانتماء للتنظيم والعمل قي اجهزة السلطة .

8- دفع رسوم العضوية بانتظام وتوفير ميزانية للتنظيم مستقلة وكافية.

9-ضرورة عقد المؤتمر العام وكل المؤتمرات المؤجلة ولو أدى الأمر لبتر وطرد بعض العناصر أو الزعامات المتخوفة على مواقعها المكتسبة .فعدد أقل وأكثر تنظيما والتزاما ،أفضل من كثرة غير ملتزمة وغير منظمة .

10- في كل المنعطفات التاريخية لا بد من التضحية بكل من يشكل عائقا أمام تطور العمل السياسي الوطني وإن أدى الأمر لبتر بعض الأعضاء الفاسدة ،ولو ان الحركة أعملت مبدأ الحساب والعقاب لبعض رموز الفساد لما وصلت إلى ما وصلت إليه ،وما زال من الممكن القيام بذلك ولو أدى الأمر لخروج البعض من الحركة او انشقاقهم عنها .

.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s